ابن كثير
59
البداية والنهاية
له في المصالحة ( 1 ) ، فكتب له أبو جعفر كتابا بالصلح ( 2 ) ، فمكث ابن هبيرة يشاور فيه العلماء أربعين يوما . ثم خرج يزيد بن عمر بن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلاثمائة من البخارية ، فلما دنا من سرادق أبي جعفر هم أن يدخل بفرسه فقال الحاجب سلام : انزل أبا خالد . فنزل . وكان حول السرادق عشرة آلاف من أهل خراسان ، ثم أذن له في الدخول فقال : أنا ومن معي ؟ قال : لا بل أنت وحدك ، فدخل ووضعت له وسادة فجلس عليها ، فحادثه أبو جعفر ساعة ثم خرج من عنده فأتبعه أبو جعفر بصره ، ثم جعل يأتيه يوما بعد يوم في خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل ، فشكوا ذلك إلى أبي جعفر فقال أبو جعفر للحاجب : مره فليأت في حاشيته ، فكان يأتي في ثلاثين نفسا ، فقال الحاجب : كأنك تأتي متأهبا ( 3 ) ؟ فقال : لو أمرتموني بالمشي لمشيت إليكم ، ثم كان يأتي في ثلاثة أنفس . وقد خاطب ابن هبيرة يوما لأبي جعفر فقال له في غبون كلامه : يا هناه - أو قال يا أيها المرء - ثم اعتذر إليه بأنه قد سبق لسانه إلى ذلك ، فأعذره . وقد كان السفاح كتب إلى أبي مسلم يستشيره في مصالحة ابن هبيرة فنهاه عن ذلك ، وكان السفاح لا يقطع أمرا دونه ، فلما وقع الصلح على يدي أبي جعفر لم يحب السفاح ذلك ولم يعجبه ، وكتب إلى أبي جعفر يأمره بقتله ، فراجعه أبو جعفر مرارا لا يفيده ذلك شيئا ، حتى جاء كتاب السفاح أن اقتله لا محالة ، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم كيف يعطي الأمان وينكث ؟ هذا فعل الجبابرة . وأقسم عليه في ذلك . فأرسل إليه أبو جعفر طائفة من الخراسانية فدخلوا عليه وعنده ابنه داود وفي حجره صبي صغير ، وحوله مواليه وحاجبه ، فدافع عنه ابنه حتى قتل وقتل خلق من مواليه ، وخلصوا إليه ، فألقى الصبي من حجره وخر ساجدا فقتل وهو ساجد ، واضطرب الناس ، فنادى أبو جعفر في الناس بالأمان إلا ( 4 ) عبد الملك بن بشر وخالد بن سلمة المخزومي وعمر ( 5 ) بن ذر . فسكن الناس ثم استؤمن لبعض هؤلاء وقتل بعضا . وفي هذه السنة بعث أبو مسلم الخراساني محمد بن الأشعث إلى فارس ، وأمره أن يأخذ عمال أبي سلمة الخلال فيضرب أعناقهم ، ففعل ذلك . وفيها ولى السفاح أخاه يحيى بن محمد الموصل وأعمالها ، وولى عمه داود مكة والمدينة واليمن واليمامة ، وعزله عن الكوفة وولى مكانه عليها عيسى بن موسى ، وولى قضاءها ابن أبي ليلى ، وكان على نيابة البصرة سفيان بن معاوية المهلبي ، وعلى
--> ( 1 ) في الاخبار الطوال ص 373 : فكتب أبو العباس - ردا على كتاب أبي جعفر - لا حكم لابن هبيرة عندي إلا السيف . فكتم أبو جعفر الكتاب عن جميع الناس . ( 2 ) نسخة كتاب الصلح في الإمامة والسياسة 2 / 152 . ( 3 ) في الطبري 9 / 145 : مباهيا . ( 4 ) في الطبري وابن الأثير والاخبار الطوال : إلا الحكم بن عبد الملك بن بشر وفي الإمامة والسياسة 2 / 157 الحكم بن عبد الله بن بشر . ( 2 ) ( 5 ) الاخبار الطوال ص 357 : محمد بن ذر . وفي الإمامة والسياسة : عمرو بن ذر ولم يذكر خالدا .